ميرزا محمد حسن الآشتياني

135

بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )

عنده بملاحظة ما أفاده في مطاوي كلماته وعلى كل تقدير ينبغي تحرير المقام بما عرفت في المقامين ( قوله ) بل في بعض الأخبار ما يدل على وجوب الاحتياط إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) لا يخفى عليك أن الاستدلال بالصحيحة في المقام إنما هو على تقدير كون المراد بالمتماثلة فيها هو مجرّد الشكّ في الحكم الشرعي وعدم العلم به أو كون مورد السؤال فيها من دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيّين أو مطلقا من حيث إن وجوب الاحتياط فيه يستلزم وجوب الاحتياط في المقام بالأولويّة القطعيّة الواضحة ولكنك خبير بما يتوجّه على الاستدلال بها أمّا أوّلا فلما عرفت تبعا لشيخنا والمشهور من عدم وجوب الاحتياط عند الشك في الحكم الشرعي بقول مطلق وفي دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بقسميه كما ستقف على شرح القول فيه فإذا لم يقل بوجوب الاحتياط في المسألة فكيف يتعدّى عنها إلى المقام مع أنّ المفهوم بقسميه تابع للمنطوق فيكشف ذلك عن كون المراد من الرواية معنى لا يتوجّه عليه محذور أصلا فلا يقال إن المسلّم تبعيّة المفهوم للمنطوق في الوجود لا في الاعتبار وأمّا ثانيا فلأن المفروض في الرواية يغاير المقام وخارج عن محل البحث والكلام حتى لو أريد منها وجوب الاحتياط عند الشك في الحكم مطلقا ولو في الشكّ في التكليف حيث إن موردها التمكن من إزالة الشك بالرجوع إلى ما يوجب العلم بالحكم أو الطريق المنصوبة من الشارع للأحكام ومن الواضح عدم جواز الرجوع إلى البراءة والحال هذه في الشكّ في التكليف ووجوب الاحتياط فيه لأنه لازم شرطية الفحص للرجوع إلى البراءة في الشبهة الحكميّة هذا وقد سلك شيخنا ما سلكناه من عدم دلالة الصحيحة على حكم المقام وأشباهه في غير موضع من مطاوي كلماته فلعلّ التمسّك بها مبنيّ على زعم بعض الأصحاب وعليه كان الاستدلال بما دلّ على وجوب التوقّف والاحتياط مطلقا من حيث تيقّن إرادة المقام منه أولى فتأمل [ في إمكان قناعة الشارع عن امتثال الواقع بالإتيان ببعض محتملاته ] ( قوله ) فإن قلت إن تجويز الشارع لترك أحد المحتملين إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) ما أفاده من السؤال مبنيّ على أمر مسلّم من الخارج مفروغ عنه قد اعترف به مرارا في مطاوي كلماته من جواز إذن الشارع في موارد الاحتياط بالاكتفاء ببعض محتملات الواقع وهو كما ترى متوجّه على ما أفاده في حكم المقام الثاني وحاصله أن العلم الإجمالي لو كان علّة تامة في نظر العقل لوجوب الاحتياط وتحصيل الموافق القطعيّة لم يعقل ورود الشرع على خلافه كما في العلم التفصيلي حيث إنه لا يمكن أن يرد من الشرع الإذن في مخالفته في مورد من الموارد حيث إن القضايا العقلية غير قابلة للتخصيص فلو كان حال العلم الإجمالي حال العلم التفصيلي لجرى فيه ما يجري فيه ولو لم يكن علّة تامّة لم يعقل حكم العقل بوجوب الاحتياط في موارده وتجويز إذن الشارع بالاكتفاء ببعض المحتملات كاشف عن عدم كونه علّة تامّة فيلزمه على ما عرفت انتفاء حكم العقل بوجوب الاحتياط ولا يتوجّه عليه كون لازم ذلك الحكم بجواز المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي في المقام عند العقل فلا يحكم بحرمتها حيث إن الإذن فيها كالإذن في مخالفة العلم التفصيلي إذن في المعصية في حكم العقل فلا يجوز مطلقا فلا تدلّ حرمة المخالفة القطعيّة على وجوب الموافقة القطعيّة بحكم العقل فيحتاج إثباته على إقامة الدليل الشرعي عليه هذا تقرير السؤال ولكنّك خبير بوضوح فساده حيث إن العلم الإجمالي علة تامّة في حكم العقل لوجوب الاحتياط وإحراز الواقع المعلوم فيما تعلّق بالخطاب المنجّز في موضوع عدم العلم باكتفاء الشارع ببعض محتملات الواقع عنه لما أسمعناك مرارا من كون حكمه بوجوب الاحتياط في جميع موارده مترتّبا على حكمه بلزوم دفع العقاب المحتمل المرتفع بقناعة الشارع ببعض المحتملات فما دام الموضوع في حكم العقل يكون متحقّقا وموجودا لا ينفكّ عنه الحكم العقلي وإن ارتفع موضوعه في صورة العلم بإذن الشارع فالعلم الإجمالي علّة تامّة في حكم العقل لوجوب الاحتياط من حيث عنوانه الأولي بل من حيث كونه منشأ للعقاب المحتمل في أطرافه فالعلة الأوّليّة والموضوع الأصلي هو العنوان المذكور فلمّا كان منطبقا على العلم الإجمالي بالشرط المتقدّم فيما لم يعلم الإذن من الشارع قلنا بكونه علّة تامّة لوجوب الاحتياط فيما لم يعلم الإذن من الشارع تجويز اكتفاء الشارع ببعض المحتملات الواقع لا يكشف عن عدم حكم العقل بوجوب الاحتياط أصلا حتى في مورد عدم العلم بالإذن كما توهّم في السؤال فإن شئت قلت إن حكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي على ما أسمعناك مرارا إنما هو من حيث حكمه بوجوب إطاعة الخطاب المنجّز بالعلم الإجمالي وإلا فليست المخالفة للعلم الإجمالي من حيث هي هي قبيحة مع قطع النظر عن تنجّز الخطاب ووجوب إطاعته في حكم العقل وقد عرفت عدم الانفكاك في حكمه بين المخالفة القطعيّة والموافقة القطعيّة فلو فرض عدم حكمه بوجوب الثانية في مورد لم يحكم بحرمة الأولى أيضا كما هو الشأن في موارد عدم تعلّق العلم الإجمالي بالخطاب المنجّز فالالتزام بحرمة الأولى وعدم وجوب الثانية لا يجوز في حكم العقل أصلا ولا ينافي ذلك تجويز قناعة الشارع عن الواقع ببعض محتملاته لأن مقتضاه إثبات إذن الشارع وترخيصه في القناعة فما لم يثبت حكم بوجوب الاحتياط كما يقول به القائل به إذ ليس مراده إلا ذلك فيكون مقتضى الأصل والقاعدة هو وجوب الاحتياط في مورد العلم الإجمالي بالخطاب المنجّز فلا يتوقّف الحكم به على قيام دليل عليه من جانب الشارع كما توهّم في السؤال فقد علم مما ذكرنا من البيان في الجواب عن السؤال إنه ليس هنا مناقضة بين حكم العقل والشرع فيما ورد على الاكتفاء ببعض محتملات الواقع أصلا لعدم تواردهما على الموضوع الواحد حقيقة حيث إن حكم الشارع يتعلّق بترك بعض أطراف الشبهة ويلزمه ارتفاع احتمال العقاب عنه على تقدير كونه الواجب الواقعي وحكم العقل يتعلّق بفعله فيما كان تركه موجبا لاحتمال الضرر والعقاب فلم يرخّص الشارع الإقدام على محتمل العقاب حتى ينافي حكم العقل كما أنه لم يوجب العقل فعل كل مشتبه من أطراف الشبهة من حيث هو حتى ينافي حكم الشارع بجواز تركه فلا تنافي بينهما أصلا كما لا يخفى هذا وقد تقدّم نظير هذه الشبهة ودفعها فيما أسمعناك في هذا الجزء وفي الجزء الأول من التعليقة عند الكلام في دليل الانسداد فراجع إليه ثمّ إن ما أفاده شيخنا الأستاذ العلّامة دام ظله العالي في الجواب راجع إلى ما ذكرنا وإن كان ظاهره الالتزام بلزوم جعل بعض المحتملات بدلا